خِلال رِحله قَصيرَة للمنزل, بعد يوم طويل من العمل والإرهاق, أو رُبما في أثناء زيارة لِبيت الجدّه البَعيــد عن التلوث الضّوئي الذي لا تَخلو مِنه أي مَدينة, ثُم في لحضِة ما, تَرفع رأسك لِتُقارِن نَفسك بالكَون أسرِه, و لِتسأل نَفسك: أين أنا مِن بين هذا البَراح الواسِع ؟
ففي رِحلة تأمَل الكَون التي نَخوضها معاً, سأَل الإنسان نفسه كثيراً مِن التساؤلات, بِدايتاً مِن أضواء السَّمـاء; النّجوم, او كواكِبنا, أو حتى مجرّتنا … دَرب التّبانه
فـالمُدُن لا تَقتَصر في أرضِنـا فَقط, بل أيضاً في سَمائنا
فالمجرَّات هي مُـدُن كَونيّة, حَيث بيوتُها كَواكِب, وشوارِعُها سُدم, وضِياؤها نُجوم و أقمار َجعلَت سَماء كَواكِبـها أبهَى
المُدُن الكَونيّة
المجرَّه لُغوياً هي كَلِمه مُشتقّه من “مَجر” ويُقصَد بِها الكثيــر مِن الدّهَم ويُقصد بـ الدَّهم تجمعات هائلَه الحَجم من النجوم والكَواكِب والكثيـر مِن الأجرام السَّماويه المَعروفه كَما تَحتوي على الغُبار الكَوني والكثير مِن الماده المُظلِمه وتتخللها مَجالات مِغناطيسيّه
ولدى العَرب هي مشتقّه من الفعل “جرَّ” لأن الشريط المُضيء يبدو كأنه نهر جاري يجرَّ ماءه جرًّا, وتخيل الشُّعراء القدماء أنه نهر سماوي تسير فيه النجوم أو تلتقي عنده الأرواح, وأستعانوا بِموقعه لَتحديد المسارات و المواسِم
وكما نَعرِف فإن المَعرِفة تتحوَّل إلى إكتشاف و التَّساؤلات إلى دِراسات والأفكار إلى نتَائج وكمَا طُرِحَت الأسئله في داخِلنا , فَهي طُرِحت أيضا ل وكاله الفَضاء ناسا
حيث بَدأت أولى الاسئله من أوائل الاعيُـن البَشريَّه “ تِلسكوب هابِل “ هل نَحن وَحدنا ؟
فَـ عِند نشأتِك في وَقت يَدور فيه تِلسكوب هابِل الفَضائي فَوق رُؤوسِنا و تَظهَر التلسكوبات العِملاقة على قمم الجِبال العَظيمة في العالم, قَد تتفاجأ عِندما تعلم أننا لم نكن متأكدين من وجود مجرَّات أخرى لِفترة طويلة جداً, فَـ قَد ظنَّ البَشر قَديماً أنه لا يوجد غَير النجوم المُنتَثِره في فَضائنا وبَعض الكواكِب والأقمار, وكانت فِكرة وجود المَجرَّات الأُخرى مُثيرة للجَدل, كما هي فِكرة وجود فضائيين بالنِّسبه لنا حالياً
إلى أن وَصلنا إلى عِشرينات القرن الماضي, حيث إعتقد كثير من عُلماء الفَلك ان دَرب التبانه يَشمل كل ما هو موجود في الكَون كانت الأدِلَّه التي تَم العثور عَليها في عام 1924 والتي تَعني أن مجرتنا ليست وَحيده في كَونِنا كما ظننا
بَدأ الأمر حينما شككوا في امر هيكله الكون في وقت سابق من القَرن الثامِن عَشر, حيث عِند نَظرهم الى التلسكوبات, بَدت المجرات الاخرى وكأنها بُقع صغيره غامِضه من الضَّوء, كان من الصعب تمييزها عن مجموعات النُّجوم و وسُحب الغاز والغُبار التي تُشكل جُزءاً من مَجرَّتنا
حينها لَم يكن تصنيف “ مجرَّه ” مُدرج ضِمن تصنيفاتهم بإستثناء مجرتنا طبعاً
فـ تَم إعطاء جميع الأضواء المُرصَده ذو الضوء الغير الحاد التي تَبدو كَـ بُقع غائمَه , نفس الإسم “ السُّدم الحَلزونية “ , وذلك نظراً لِصعوبة تحديد أشكالِها ومعرِفه ما هي بالضبط
وإفترض العُلماء حينها أنها مُجرَّد سُحب مِن الغاز والغبار تَقع داخل مجرتنا دَرب التبانة
لَكن الجَدال العِلمي الأكثَر شُهره كان مع إنطلاق القَرن العشرين تحديداً عام 1920م وكان في مُناظره شهيرة, والتي إنقسَم المجتمع العلمي فيها إلى قِسمين :
القِسم الإول: يرى ان الكون هو فقط درب التبانه, هذه السُّـدم الغائمه ما هي إلا سُحب غازيَّة قريبة
القِسم الثاني: يرى أن هذه السَُدم هي في الحقيقه “جُزُر كونيَّة” مُستقلة بعيدة جداً, وكل سديم منها هو مجرَّة كاملة تحتوي على مِليارات النجوم
لكن لم يَكن هناك دليل قاطِع للحسم…. حتى ظَهر إدوين هابل !
إتِّساع المَدارِك: كيف إكتَشف الإنسان وجود المجرَّات؟
في عِشرينات القرن الماضي, استخدم الفلكي الأمريكي إدوين هابل تلسكوب “هوكر” العملاق في مَرصد جَبل ويلسون بِكاليفورنيا, وجهه نحو سديم أندروميدا أو ما يُدعى بـ المرأة المتسلسلة
فَعِند تأمله داخِل سَديم اندروميدا لاحض نوعاً خاصاً مِن النَّجوم يَنبض بـ إنتظام, هذا النوع من النَجوم يُسمّى في الفيزياء بـ “شمعه قياسية” لِحساب المَسافات في الفَضاء ( لأن شدَّه لمعانه ترتبط بِدقَّه بُعدِه عنا )
المُفاجئ هُنا هو أن عِند حِساب هابِل لمسافة هَذه النجوم وبُعدِها عنَّا, تفاجأ بِأن سَديم أندروميدا يَبعد أكثر مِن مليوني سنة ضوئية !!
والحَاصِل أن هذه المسافة أكبر بِكثيرمن حجم مجرتنا بالكامل !
وهذا يعني شيئاً واحد فقط: أندروميدا ليست سحابة غازية بَداخَل مجرتنا كما ظننا, بل هي مجرّة مُنفصِله تماماً عن مجرتِنا
مَعرض العَجائب: أشهر وأغرب المجرَّات في الكَون
لَم يتوقف هابل عند أندروميدا, بَل رَصد السُّدم الحلزونيّه الاخرى ليكتشف أن السماء مليئة بهذه المجرات !
مجرَّه السِّــيجارة
هي مجرة انفجار نجمي تَقع في كوكبة الدب الأكبر وتبعد عنا ١٢ مليون سنة ضوئية, فمركزها يُضيئ أكثر بـ 5 مرات مِن مركز مجرتنا, وذلك بسبب الولادة السريعة للنجوم, كما أنّها أكبر 10 مرَّات أكبر من داخِل مجرَّتنا
مجرة زهرة الشَّمس أو تبَّاع الشّمـس
معروفة رسمياً بـ إسم مسييه 63 , وتُلقَّب بِمجرة زهره الشَّمس, حيث أنها مُحاطه بأذرِعة مجريَّـة تتكون مِن النُّجوم الزّرقاء والبيضاء العملاقة, وتم إكتشافها في القَرن 19 كأوّل مجرة ذات أذرِعة
مجرة MACSJ0717
وهذه مِن أغرب المجرَّات فلكياً, تشكلت نتيجة إصطدام أربع مجرات أُخرى فَخلقَت لنا صور مُدهشة من خَلق الرحمن
baby boom مجرة
حملت هذه المجرة الرقم القِياسي الجديد لألمع مجرة في الكون, فهي تلد نجوماً بِمعدل غريب جداٍ ! تصل إلى ٤٠٠٠ نجم سنوياً أي بِمعدل نجمة واحدة كُل ساعتين
مع العِلم أن مجرتنا درب التبانة تَلد في المتوسط ١٠ نجوم في السنة الواحِدة فقط !
NGC3314a & NGC3314 مجرتا
قد يَبدو لك أنّ هاتين المجرتين في إصطدام, وكذلك هو الحال من وجهة نظرنا على الارض
ولكن هُما في الواقِع على بُعد عشرات الملايين من السنوات الضوئية عن بعضهما البَعض , ومع ذلك فإنها أنتَجَت واحِدة من أروع وأغرب صور المجرات التي سُجِّلت في التاريخ
مجرة الوجه المُبتَسِم
هي واحده من أروع المجموعات التي وجدت في الفَضاء الخارجي, وفي الحقيقه هي صورة لتجمع من المجرات يُدعى
SDSS J1038 + 4849 وله إسم آخر وهو “ قطة آينشتاين الضاحكة”
ودُعيت بهذا الإسم لانها إثبات علمي على صحة نظرية آلبرت آينشتاين عن الجاذبيه, وتلك الحلقات الرفيعة التي تراها ليست سِوى في الواقِع تشوه لِصور المجرات التي تَقع في خَلفية التَّجمع
مجرة بودي _ مسييه81
تَقع بالقرب من مجرّة السيجارة, بينمل مجرة بودي هي مجرة لولبية ذات ثُقب أسود هائل يعتبر أكبر بـ 70 مليون مرة من كتلة شَمسِنا
إكتشفها عالِم الفلك إليرت بودي في عام 1774م ولذلك سُميّـت المجرة نِسبتاً إليه
ولا تنتهي عجائب فَضائــنا هُنا, فـهناك الكثير والكثير من عجائب السَّمـاء لا تُحصى, ولو قضينا عُمرنا في عدِّها لَما إنتهينا من عدِّ عجائب الله في خَلقِه
لكن ! لابُد أنه قد خَطَـر في بالك سُؤال.. ألا وهو, كيف إلتقطنا هذه الصور ونحن لم نَخرج من مجرَّتنا قد!
التَّـلصص على الكَون: كيف نلتقط صوراً للمجرات ونحن بِداخِل مجرَّتنـا؟
كثير منا كان أو ما زال يَظن أنه تم إرسال مِسبــاراً فضائياً سافر بعيداَ خاَرج مجرتنا, لكن في الحقيقه أن أبعد مسبار صنعته البشريَّة “ مسبار فويجر” لم يُغادِر حتى حدود نِظامنا الشَّمسي
*مسبار تعني”مركبة بِلا طيَّـار”
تخيَّل أنك في مَنزِل زُجاجي مُغلق, صحيح أنك لا تستطيع الخروج لكن ما زال بإمكانِك رؤيه العالم من حَولِـك, وما زال بِإمكانِــك رفع كاميرا هاتِفك المحمول وإلتِقـاط ما تراه, هكذا بالضبط يتم تصوير الكون وما خارِج مجرَّتنا
فـ التلسكوبات الفضائية و الأرضية مثل هابل وجيمس وتتجه نحو الأماكن المظلمة في الفضـاء والبعيدة عن غبار مجرتنا, ثم تغدو لِتلتقِط الضَّوء القادِم من المجرَّات الأخرى والذي سافـر مليارات السنين الضَّوئيّة وإقترَب بِدرجة تكفي لِتلتقِطها مُستشعِرات الكاميرا
ولا بُد أن خَلف كُل صوره مُبهِره كواليس تِقنيَّـة, فالضوء المرئي الذي تراه أعيننا ليس سِوى جزء بسيط جداً من الضوء في الكَون
فالغُبار الكوني في المجرَّات يحجب الضوء المرئي لِذلك نستخدِم الأشعة تحت الحَمراء “ مثل تلسكوب جيمس ويب “ والتي تخترق الغبار وتكشف عن النجوم المُخبأه خَلفه, و أشعة إكس والراديو لكشف الثقوب السوداء والطاقات الهائلة
والطريقة الأخرى هي بـ تجميع التعريض الطويل <long exposure>
لان الضَّوء القادم من المجرات البعيدة خافِت وضئيل, فتترك التلسكوبات عدساتِها مفتوحة لِسنـوات أو أسابيع نحو بُقعه واحِدة لتجمع أكبر قدر من جُزيئـات الطاقه, او ما يُسمى في الفيزياء “ الفوتونات”
آخر طريقة لـ تصوير المجرَّات الأخرى وما يتعلَّق بـألوانِها التي تأسرنا وتأخذنا إلى عالم آخر من الجمال, هي طريقة دَمج طبقات الألوان
فالتلسكوبات لا تلتقط صوراً ملونَّه وأخَّاذه كما نظن, بل أنها تلتقط بيانات رقمية لِأطوال مُختلِفـة(مثل صورة أشعه ما تحت الحمراء, وصورة للضوء الأزرق, والأشعة السينية )
تالياً, يقوم العلماء بترجمة كل طول موجي إلى لون مُحدد يراه الإنسان، ثم يدمجونها معاً لِتظهر الصورة النهائية التي تجمع الفيزياء بالجمــال الفني, ونفس العملية تحدث عند إلتقاط السُّدم أو اي جرم في الفضاء
لكن ! كيف لدينا صور كاملة لِمجرتنا درب التبانة ونحن بِداخها ؟
هُنا تَكمن الخُدعة الحقيقيَّـة ! فـإذا كنا بداخِلها كيف نرى شكلها بالداخِل ؟
أي صوره نراها لمجرتنا وهي تبدو كاملة من الاعلى بحلزونيَّـتها وأذرعها, هي ليست صورة حقيقية أُلتُقِطَت بالكاميرا, إنما هي رسم لِمحاكاة دقيق جداً مبني على البيانات الرياضيَّـة
فكيف رسمناها بِـدقة دون أن نراها من الخارج ؟
أولاً: مسح النجوم, حيث يقيس العلماء المسافات بين الاجرام من حولنا بواسطة تلسكوبات
ثانياً: بِإرسال موجات تخترق غبار المجرة ورصد لتقيس سرعة ودوران أذرع المجرَّة
لِنكتشف أن خَلف كل صوره كَونية لِمجرة مُكتمِله كان خلفها حِسابات وآفاق فُتِحـت, تلسكوبات أُرسِلت, وَموجات حُسِبت
فـ لقد شكَّلت المجرَّات موضوعاً رئيسياً في عِلم الفَلَك منذ بِدايتِه, سواءً أغربها وأعجبها, وأقربها إلينا, أو حتى وِلادتها وتكونَّها
وِلاده المُدن الكونيَّة
إختلف العلماء كثيراً بِهذا الشَّـأن وإختَلقوا كثيراً من السيناريوهات, لكن مُؤخراً فقط بدأ العُلماء في الإتفاق على بعض الحقائق التي يُمكن إثباتها
فَمُنذ ظُهور نظريَّـة الإنفجار العَظيم والتي تَحدَّثنا عنها كثيراً في مقاليّ : إعجاز القُرآن في الفضــاء و من نقطة لا تُحد تُرى إلى سماوات لا تُحد : نشأة الكَون
إتَّضح للعلماء أمور كثيرة من ضِمنها وِلاده المجرَّات
بِدايتاً, على الرُّغم من حجم المجرّات الهائـل, فعند مُقارنتها بالمقياس مع الحجم المعروف للكون, فهي ننُقطه صغيره متناهيه الصِّغَـر
فـبِالعودة لـنظريّـة الإنفجار العظيم, وبعد ما بدأ الكَون يَبرد, تبدأ جزيئاتها في الإحتشاد بِفعل قوى الجاذبيَّـة فيما بينها حتى تتحول إلى غيمة غازيّـة ضخمة, ثم تبدأ الغيمة بالدَّوران حتى تَصِل إلى الشَّكـل المطلــوب
وقسّـمها العَلماء إلى ٣ أنواع لِسهوله التعرَّف عليها
١. الحلزونيَّة
لدى المجرَّات الحلزونيّـة ثلاثة مكونات رئيسيـة: الانتفاخ, القرص, والهالة
ونبدأ بالإنتفاخ وهو عبارة عن بنيه كرويَّة موجودة في مركز المجرة وغالِباً ما تحتوي هذة الميزة النجوم الأقدم في المجرّة
أما القُرص فهو مكون مِن الغُبار والغاز والنجوم صغيره العُمر, ويتشكل هذا القُرص من هياكِل على شكل أذرع, وشمسنا موجودة في إحدى أذرع دِرب التَّبانة
وأخيراً الهالة فهي عبارة عن بُنية كروية واسِعه جداً, وتقع حول الانتفاخ المَركزي وأجزاء من القُرص
٢. البيضاويَّــة
ولَهذا النوع من المجرَّات شكل مُشابِه للكره, أما في السماء فتظهر هذه المجرَّات بشكل أشبه بـ القَرص او بيضاوي, ونلاحظ أن الضوء ناعِم واللمعان السَّطحي يتناقض مع الإبتعاد عن المَركز
٣. الغير مُنتظمه
وهي مجرَّات تفتَقِر إلى هيكل مُنتظِم أو تناظر محوري وغالِبا ما تكون غنيَّه بالغازات والأغبره الكونيَّـة
٤. الشَّــاذة أو الفَريدة
هي مجرَّات قد تنتمي في الأصل إلى الأنواع الحلزونيَّــة أو البيضاويَّــة, لكنها تعرضت لِحدث كوني ضخم “ مثل الإندماج او الإقتراب الشديد من مجرَّة أخرى فأدى ذلك إلى تشويه شكلها و إحداث إضطراب في بُنيتها
رأينا إكتشاف المجرات بـ أعين هابِل وأغرب مجرات كونِنا الفَسيــح وأعجبها, لكن هل مررنا عَبرها ونظرنا إلى جوفِها؟ تَحديداً بِـجَوف مجرتنا
بيتنا الكَوني
إذا كُنا اليَوم نَعرف طبيعة دَرب التبان معرِفة عِلمية جيَّـدة, فإن هذه الممَعرِفة لا تَقِلل مِن رَوعتِه وإندهاشِنا بِه, لأن الحقائق العلميَّه عن درب التبَّان لا تَقل غرابَه عن الخَيال!
فمجرتنا ليست مجرد قرص هادئ متلألئ بالنجوم في سُكون الليل, بل هي بيئة كونية ديناميكيَّــة, صاخبة وممتلئة بالظواهر الغريبة التي تتجاوز الخيال العلمي
وإحدى أغرب المعلومات التي تتعلق بـمجرتنا كانت :
1. رائحتها مثل الرُّم “المشروب الكحولي” وطعمها يُشبه توت العُلَّيق!
ففي قَلب المجرَّة, توجد سحابة غباريَّة عِملاقه تُعرف بـ إسم ساجيتاريوس, عندما درس العُلماء التركيب الكيميائي لهذه السحابة, ووجدوا أنها تحتوي بكثرة على مركب كيميائي يُدعى إيثيل فورمات
وهذا المركب هو المسؤول الكيميائي المُباشر عن إعطاء الفراولة والعُلّيق طعمها المميز, كما أنه يُعطي مادة الرُّم رائحتها الشَّهيرة
بينما طعمها كـ التوت فطبيعه مجرتنا لا تَعكس ذلك بتاتاً, في الحقيقة هي مُفترِسة كونيَّة!!!
2. آكله المجرَّات !
درب التبانة لم تَصِل إلى حجمها الحالي الهائل بالصدفة ! بل هي مفترِس كوني يعيش على إبتلاع المجرات الصغرى المُجاوِرة, مثل مجرَّة غايا سوسيج, وحالياً تمتص الغازات والنجوم من مجرتيّ سحابتيّ ماجلاَّن الكبرى و الصغرى
لكن مجرتنا لم تَحسب أن لكل ذلك حِساباً! فنحن الان في طريق اصطدام حتمي مع مجرَّة اندروميدا” المرأه المسلسلة” بعد نحو ٤.٥ مليار سنة لِنندمج في مجرة عِملاقة واحدة
وبطبيعة الحال فإن جميع الأجرام تتحرك بداخِل المجرَّه ومن ضِمنها مجموعتنا الشَّمسيّة
3. السَّنة المَجريّة
تدور المجموعة الشَّمسيــة بإكملها حول مركز المجرّة بسرعه تَصل إلى828,000 كم في الساعه, ورغم هذه السُّرعة الهائلة, تستغرق الشَّمس رِحلة كاملة لإتمام دورة واحِدة والتي تُعرف بـ السنة المجريّة وهي ما بين 225 إلى 250 مليون سنة أرضيّة
والعَجيب هُنا, أن في آخِر مرَّة كانت فيها الأرض في نفس موقِعها الحالي من المجرّة, كانت الداينصورات في بِداية ظهورِها الأول على كوكبنا !
والكثير والكثير من عجائب مجرتنا التي لا تنتهي فإذا كانت ما هي إلا ذرَّة هائمة في سِعة خَلقِه.. فما أعظم رباً يُدبِّر امر هذا الكَون المَديد, ولا يَشغل مسار كوكبٍ في مجرَّة عن نَبضَةِ قَلبٍ ترجوه في الخَفاء
﴿سُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
مُعتقَدات مَن سَبقونا
من أعجَب مشَاهِد السَّـماء التي نراها في القُبة السماوية و أشدّها سِحراً وغموضاَ مَشهد درب التبَّانة أو المجرّة
درب التبَّـانه ينتشر شبيهاً بِجواهِر تناثرت في السّـماء من جانب إلى جانب, فعندما كان الناس في الأزمنه الماضيه يتأملون في هذا المَشهَد كانت انفسهم تمتَلئ بالروعه والعَجب تماماً كما نَشعر اليَوم, لكن, بما أنهم لَم تكن لهم تِلك الإمكانيات التي نَملكها اليَوم, ولا التقنيات التي تملأ حياتنا اليَوم, ولا تِلك القُدرة على العِلم
ففسروا رؤيتها بـالحكايات و إطلاق الاسماء الغَريبه
وإحدى تِلك الحكايات في العهود المسيحيّـة الأولى, أنّ درب التبَّان طريق للملائكه يعبرونه كي يذهبوا إلى الجنّـه
أما لدى العَرب دوماً ما تختَلِف مُعتقداتهم عن أقرانِهم, فـبِنَظرِهم إلى سماء الصحراء الصَّافية, إستنتجوا أفكارهم من بيئتهم اليومية
وأول حكاياهم كانت قصة التبن المتساقط: تخيل العَرب أن هذا الشريط المُضيء الناتئ في سمائهم, يُشبِه الأثر الذي يَتركه القش او التبن المُتساقط من الماشية والدَّواب أثناء جرّهـا فتتركه على الطريق الأسفلتي أو الترابي فـ أطلقوا عليه إسم “درب التبانة” أو “طريق التبن”.
ودوماً ما تَنبع اليُونان بالقصص الغريبه والأساطير المُختلِفه, فالأغارقه كانوا يُمجدون إلاههم “زيوس”وهو إلاه السَّمـاء لديهم وعلى ِذكرِه, تقول الأسطوره أن زيوس أراد ان يمنح ابنه الرضيـع “هرقل” صفه الخُلود, فوضعه على صدر زوجته الإلاهه “هيرا” وهي نائمه لِتغذيه زيوس بـ حليبها المقدس
لكن عندما استيقظت “هيرا” فَزِعه, دفعت الرضيع عنها بعيداً, فإندفق حليبها ورُشّ عبر أرجاء السماء لِيَرسُم لك الشريط الأبيض النَّاصِـع في السّمـاء, وهو ما يُدعى اليَوم بِـذراع المجرَّة
وفي الفلكلور الصيني والشرق الأقصى يدعونه بـ النهر الفضي “ أسطورة العاشقين
تتشابه الأساطير دوماً في الثقافة الصينيه, الكورية, واليابانية, فلم يكن الشريط المُضيء حليباً ولا تبناً كما إعتدنا أن نسمع, بل نهراً فضياً سماوياً يفصل بين عوالِم السَّـماء
تحكي الأسطورة عن حب جمع بين” النسّاجة السماوية” (نجم النسر الواقِع) و “الراعي البسيط” ( نجم النسر الطائر
عِندما عَلِم الإمبراطور السَّـماء بِهذه العلاقة غَضِب وغرس إبهامه في السَّـماء ليرسُم نهراً فضياً واسِعاً “ ذراع المجرّة” ليفصل بين العاشقين إلى الأبد على ضفتين متقابلتين
لكن بعد مُدّه حنّ عليهما و أجاز لِقاءهما مره واحِدة في السَّنـة, وهو اليوم السَّابِع من الشهر السابع القَمري, حيث تتجمع ملايين طيور “العقعق” لتشكل أجنحتها جِسرا مُؤقتاً فوق النهر السماوي ليلتقيا
اما ام الدنيا لها رؤية اخرى في ما يسمونه النيل السماوي
فربط الفراعنة بين ظواهر بيئتهم الأرضية والفيزياء الكونية, فرأو السماء مِرآه للأرض, وإعتقد المصريوون أن ذراع المجرة هو النيل الأكبر في السَّماء وان نيل مَصر الأرضي ليس سِوى إنعكاس سفلي له
وكان يُعتقد أن إله الشمس “رع” يعتبر هذا النهر السماوي ليلاً على متن سفينته الكونية ليعود للشرق ويشرق من جديد
وإحدى القصص أيضاً في مِصر القديمة, حيث إرتبط الشريط أيضاً باﻹلهة “حتحور” والتي تُجسَّـد على هيئة بقره, واعتبروا القطرات المُضيئة في الشريط هي قطرات لبنها الوفير الذي يُغذي الأرواح
اخيراً، في ختام هذه الجولة بين عوالم المجرات وسُدمها، ينجلي لنا المعنى الحقيقي للتفكّر والتدبّر؛ فكلُّ مجرةٍ تتلألأ في الفضاء، وكلُّ حركةٍ محكمةٍ للأجرام السحيقة، ليست إلا آيةً ناطقة بعظمة الخالق جلّ وعلا وإتقان صنعه.
إن الوقوف أمام هذا الاتساع الكوني المهيب لا يمنحنا المعرفة العلمية فحسب، بل يُورث قلوبنا خشوعاً وتواضعاً؛ فنُدرك أن هذا الكون بما فيه من إعجاز وتناسق ليس إلا خلقاً ممدوداً بحكمةٍ بالغة، ليظلَّ شاهداً يهمسُ لأرواحنا بعظمةِ مَن أبدعه:
﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾
المصادر :
الموسوعة الفلكية
مقال العلوم الحقيقية بعنوان “ كيف يعمل الكون” -الكاتب محمد فاروق
الموسوعة العلمية المبسطة
كتاب السما-شادي عبد الحافظ
مقال لـ librtext بـ عنوان إكتشاف المجرات
جريدة الكون الساحر
وكاله ناسا- وثائقيات تلسكوبي هابل وجيمس ويب الفضائيين
كتاب تاريخ الصين القديمة- عبد العزيز أمين خان
معجم لِسان العرب- ابن المنظور
كتاب صور الكواكب الثمانيه والاربعين- عبد الرحمن الصوفي
موسوعة مصر القديمة- سليم حسن “ المجلد ٢ و ١ “
موقع ويكي كتب- علم الفلك / تكون المجرات
موقع ناسا بالعربي- انواع المجرات وتصنيفها
شكرا لوصولك هُنا
٢٩-٧-٢٦


































